محمد بن جرير الطبري
23
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وقد يقال للجماعة من الرجال : نجوى ، كما قال جل ثناؤه : وَإِذْ هُمْ نَجْوى وقال : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ وهم القوم الذين يتناجون . وتكون النجوى أيضا مصدرا ، كما قال الله : إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ تقول منه : نجوت أنجو نجوى ، فهي في هذا الموضع : المناجاة نفسها ، ومنه قول الشاعر : بني بدا خب نجوى الرجال * فكن عند سرك خب النجي فالنجوى والنجي في هذا البيت بمعنى واحد ، وهو المناجاة ، وقد جمع بين اللغتين . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : خَلَصُوا نَجِيًّا قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا وأخلص لهم شمعون ، وقد كان ارتهنه ، خلوا بينهم نجيا يتناجون بينهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : خَلَصُوا نَجِيًّا خلصوا وحدهم نجيا حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : خَلَصُوا نَجِيًّا : أي خلا بعضهم ببعض ، ثم قالوا : ماذا ترون وقوله : قالَ كَبِيرُهُمْ اختلف أهل العلم في المعني بذلك ، فقال بعضهم : عنى به كبيرهم في العقل والعلم ، لا في السن ، وهو شمعون ، قالوا : وكان روبيل أكبر منه في الميلاد . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تعالى : قالَ كَبِيرُهُمْ قال : هو شمعون الذي تخلف ، وأكبر منه ، وأكبر منهم في الميلاد روبيل حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : قالَ كَبِيرُهُمْ : شمعون الذي تخلف ، وأكبر منه في الميلاد روبيل حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : قالَ كَبِيرُهُمْ قال : شمعون الذي تخلف ، وأكبرهم في الميلاد روبيل وقال آخرون : بل عنى به كبيرهم في السن وهو روبيل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : قالَ كَبِيرُهُمْ وهو روبيل أخو يوسف ، وهو ابن خالته ، وهو الذي نهاهم عن قتله حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : قالَ كَبِيرُهُمْ قال : روبيل ، وهو الذي أشار عليهم أن لا يقتلوه حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي : قالَ كَبِيرُهُمْ في العلم أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ الآية ، فأقام روبيل بمصر ، وأقبل التسعة إلى يعقوب فأخبروه الخبر ، فبكى وقال : يا بني ما تذهبون مرة إلا نقصتم واحدا ، ذهبتم مرة فنقصتم يوسف ، وذهبتم الثانية فنقصتم شمعون ، وذهبتم الآن فنقصتم روبيل حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قال : ماذا ترون ؟ فقال روبيل كما ذكر لي ، وكان كبير القوم : أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ الآية وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال : عنى بقوله : قالَ كَبِيرُهُمْ روبيل لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنا ، ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم : فلان كبير القوم مطلقا بغير وصل إلا أحد معنيين ، إما في الرياسة عليهم والسؤدد وإما في السن ، فأما في العقل فإنهم إذا أرادوا ذلك وصلوه ، فقالوا : هو كبيرهم في العقل ، فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك فلا يفهم إلا ما ذكرت . وقد قال أهل التأويل : لم يكن لشمعون وإن كان قد كان من العلم والعقل بالمكان الذي جعله الله به على إخوته رياسة وسؤدد